-->
Dr. Hamada | Alantably Dr. Hamada | Alantably
random

آخر الأخبار

random
random
جاري التحميل ...
random

التريند أهم من الحقيقة... فوضى إعلامية تهدد مستقبل الرياضة المصرية

 التريند أهم من الحقيقة... فوضى إعلامية تهدد مستقبل الرياضة المصرية

كتب د. حماده العنتبلي

لم يعد الإعلام الرياضي في مصر صوتًا يحلل ويناقش ويوجه، بل تحول إلى ماكينة صاخبة تطحن كل ما يمر بها، بلا هوادة ولا مسؤولية. الحقيقة تُدفن، والموضوعية تُغتال، والمهنية تُمزق على الهواء، فقط لأجل "التريند"، واللايك، والمشاهدة السريعة. لم يعد يهم إن كان ما يُقال صحيحًا أو نافعًا، المهم أن يثير الجدل، ويشعل المنصات، ويجذب الجماهير.

البرامج الرياضية... من المنصة إلى المهزلة

من المفترض أن تكون البرامج الرياضية منصات للتنوير، تقدم قراءة فنية، وتحليلات موضوعية، وتسهم في تطوير الفكر الرياضي في المجتمع. لكن ما نراه اليوم لا يمت بصلة لهذه القيم. أصبح الاستوديو مكانًا للعراك اللفظي، والتراشق بالتهم، و"استعراض العضلات الكلامية". تضيع دقائق البث في اتهامات متبادلة بين ضيوف لا يربط بعضهم بالرياضة إلا ذكريات قديمة، أو شهرة انتهت مع آخر هدف سجلوه منذ سنوات.

المعتزلون... نجوم أم وقود للفوضى؟

لا شك أن للاعبي الكرة المعتزلين تجارب تستحق التقدير، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول هؤلاء إلى "محللين دائمين" دون أدنى تأهيل إعلامي أو فهم مهني. البعض منهم لا يتحدث إلا بلغة الماضي، والبعض الآخر يحوّل كل نقاش إلى ساحة تصفية حسابات شخصية، وكأنهم لم يغادروا غرفة خلع الملابس بعد. تصريحاتهم لا تخلو من التقليل، المقارنة، التشكيك، وأحيانًا الإهانة العلنية، دون رقيب أو حسيب.

من المهنية إلى الاستفزاز

ما يُعرض في كثير من البرامج الرياضية المصرية اليوم لا يمكن تصنيفه إعلامًا بالمعنى الحقيقي. إنه أشبه بمسلسل درامي رخيص، تديره عقلية "من يصرخ أكثر يكسب"، ومن يهاجم أشد يحصد المشاهدات. لا مصادر، لا تحقيق، لا التزام بالمعايير الصحفية. فقط اقتباسات مجتزأة، وتصريحات نارية، وتضخيم لكل تفصيلة تافهة لتصبح أزمة وطنية.

فبركة أخبار الانتقالات... تجارة الوهم بلا رقيب

ضمن فوضى الإعلام الرياضي، تبرز ظاهرة خطيرة لا تقل تأثيرًا عن الصراخ على الهواء، وهي فبركة أخبار الانتقالات والتعاقدات، خاصة لدى أندية القمة. فكم من مرة نُشر خبر عن لاعب جدد عقده، أو نادٍ أنهى اتفاقه مع صفقة كبرى، أو تفاوض سري بين الإدارة ولاعب بارز، ليتبيّن لاحقًا أن لا شيء من ذلك حدث. في بعض الأحيان، يتم تضليل الجماهير عمدًا، ونشر أخبار مغلوطة لا تستند لأي مصدر موثوق، فقط لأجل كسب مزيد من التفاعل.

هذه الظاهرة تُربك الجماهير، وتثير التوتر داخل الأندية، وتؤثر على استقرار الفرق فنيًا ونفسيًا. الأسوأ أن من يروج لهذه الأخبار لا يُحاسب، بل يستمر في طرح شائعاته على أنها حقائق إعلامية. إنه تلاعب بالعقول، وتدمير لثقة الجمهور في أي معلومة تصل إليه.

جهود محمودة في مواجهة الفوضى... والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يتحرك

رغم هذا الانفلات الواضح، بدأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مؤخرًا في اتخاذ خطوات محدودة لمحاولة ضبط الفوضى الإعلامية، حيث أصدر تحذيرات لبعض البرامج، وحقق في مخالفات علنية شابت بعض التغطيات الرياضية. هذه التحركات تُعد بداية مشجعة، لكنها لا تزال تحتاج إلى المزيد من الجهد.

ما زال هناك العديد من البرامج والمواقع تعمل بلا رقيب فعلي، وتتمادى في طرح محتوى يفتقر للمصداقية أو يشجع على الانقسام. لذلك فإن المسؤولية الملقاة على المجلس تتطلب مزيدًا من الجهد، وتفعيلًا جادًا للأدوات الرقابية، وإجراءات رادعة تحفظ هيبة الإعلام وتحمي المتلقي من التضليل والتخريب الممنهج.

الجماهير ضحية... والرياضة هي الخاسر الأكبر

وسط هذا الضجيج، تاهت الجماهير بين من يهاجم ومن يرد، وأصبح المشجع العادي لا يعرف من يصدق، أو على من يعتمد. الانقسام أصبح عميقًا، والتعصب ازداد، والانفلات في التعليقات والمنشورات بلغ مرحلة الخطر. لقد نجح الإعلام الرياضي الفوضوي في صناعة جمهور غاضب دائمًا، متوتر دائمًا، يرى في كل رأي مختلف خصمًا يجب سحقه.

ختامًا

لقد اختطف "التريند" الإعلام الرياضي المصري، وأصبح مستقبل الرياضة مهددًا إذا استمر هذا الانحدار. صراخ البرامج، وعبث التحليل، وتراشق التصريحات، وفبركة الأخبار، كل ذلك لن يصنع وعيًا رياضيًا، بل سيعمّق الفوضى والانقسام.

الرياضة أكبر من نجوم معتزلين يبحثون عن الضوء، وأكبر من إعلاميين يلهثون خلف الإثارة، وأكبر من برامج تُدار بمنطق السوق لا بمنهج المهنية. إن لم نُوقف هذه الفوضى، فإن ما سيتحطم ليس فقط الإعلام... بل صورة مصر الرياضية بالكامل.

بقلم: د. حمادة العنتبلي

باحث في الشأن الرياضي – كاتب ومحاضر

التعليقات



إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

إتصل بنا

إحصائيات الموقع

جميع الحقوق محفوظة

Dr. Hamada | Alantably

2018


تطوير

ahmed shapaan