فوضى سوق الانتقالات في كرة القدم المصرية... أسعار متضخّمة، قرارات مرتجلة، واستنزاف مستمر
كتب: د. حمادة العنتبلي
مع انطلاق كل موسم كروي جديد
في مصر، يتكرر نفس المشهد: صفقات مثيرة للجدل، أرقام خيالية، وتنافس محموم بين
الأندية الكبرى، في ظل غياب شبه تام للتخطيط والرقابة. بات سوق الانتقالات المصري
مرآة لفوضى أوسع في منظومة الكرة، حيث تغيب الرؤية الفنية، وتعلو الحسابات
العاطفية والإعلامية على المصلحة الرياضية والاقتصادية للأندية.
سوق بلا معايير... وأسعار خارج المنطق
أصبح من المعتاد أن نشهد
صفقات للاعبين محليين بأسعار مبالغ فيها، تصل إلى عشرات الملايين من الجنيهات، رغم
أن أداء بعضهم لا يرتقي للمستوى المطلوب. لا تعكس هذه الصفقات القيمة الفنية
للاعبين بقدر ما تعكس فوضى السوق، وغياب المعايير الفنية والاقتصادية السليمة في
تحديد الأسعار، خاصة مع تدخل السماسرة أو وكلاء اللاعبين والمزايدات الإعلامية
التي تؤجج المنافسة بين الأندية على حساب المنطق والاحتراف.
اللاعبون الأجانب... تكلفة عالية وعائد ضعيف
ومن أبرز أوجه الفوضى كذلك،
ما يتعلق باللاعبين الأجانب، الذين يتم التعاقد معهم غالبًا دون دراسة فنية كافية،
أو دون الالتزام بمواصفات محددة تُراعي احتياجات الفريق، وطبيعة الدوري المصري. في
كثير من الحالات، نجد لاعبين أجانب يتم التعاقد معهم بمبالغ طائلة، تشمل رسوم
الانتقال ورواتب ضخمة، ثم لا يقدمون الأداء المنتظر، ليرحلوا بعد فترة قصيرة إما
بفسخ التعاقد أو في صفقات انتقال حر دون مقابل، ليصبحوا عبئًا ماليًا على ميزانية
النادي.
وهنا أشير إلى حجم الإنفاق
الضخم من الأندية خلال السنوات الأخيرة على صفقات أجنبية لم تُحقق أي مردود رياضي
حقيقي، وهو ما يستدعي مراجعة شاملة لسياسة التعاقدات مع اللاعبين المحترفين،
وإخضاعها لمعايير فنية واقتصادية دقيقة.
سوء إدارة الموارد المالية... نزاعات بالجملة
الأزمة لا تقتصر على فشل
الصفقات فقط، بل تتسع لتشمل سوء إدارة الموارد المالية داخل الأندية، حيث
يُلاحظ أن عددًا من الأندية تنفق ببذخ في فترات الانتقالات، دون وجود ميزانية
متوازنة أو مصادر تمويل مستدامة. هذا الهدر المالي يؤدي في النهاية إلى عجز في
الوفاء بالالتزامات التعاقدية، خصوصًا تجاه المدربين واللاعبين الأجانب، ما
يجعل هذه الأندية عرضة دائمة للعقوبات الدولية.
لقد تحولت بعض الأندية
المصرية إلى ضيوف دائمين أمام لجان النزاعات في الاتحاد الدولي لكرة القدم، وأمام
المحكمة الرياضية الدولي، بسبب القضايا المرفوعة ضدها نتيجة التأخير في سداد
المستحقات أو الإخلال بالعقود. وهذه النزاعات لا تقتصر على الغرامات المالية، بل
قد تصل أحيانًا إلى خصم نقاط أو الحرمان من القيد، مما يُفاقم أزمات هذه الأندية
فنيًا وإداريًا.
غياب التخطيط الفني... قرارات تحت ضغط
أغلب الأندية المصرية تتعامل
مع ملف الانتقالات بردود الأفعال، لا من خلال رؤية استراتيجية طويلة المدى. في
كثير من الأحيان، تأتي التعاقدات نتيجة ضغوط جماهيرية أو استجابة لهزيمة عابرة،
بدلًا من أن تكون جزءًا من خطة متكاملة لتكوين فريق قوي. وتُسند عملية اختيار
اللاعبين أحيانًا لأشخاص غير مختصين، أو تتم تحت تأثير رغبات شخصية، دون اعتماد
واضح على لجان فنية محترفة.
اتحاد الكرة... الغائب الأكبر
رغم أن تنظيم سوق الانتقالات
مسؤولية أصيلة للاتحاد المصري لكرة القدم، إلا أن دوره في هذا الملف غير موجود على
الإطلاق، فلا توجد لوائح فعالة تضمن الشفافية، ولا آلية رقابية تنظم السقف المالي
للصفقات أو الرواتب، ولا نظام تصنيف دقيق للاعبين. هذا الفراغ التنظيمي يشجع على
العشوائية، ويُفاقم التفاوت بين الأندية، ويزيد من النزاعات القانونية.
نتائج كارثية تتكرر كل موسم
والنتئجة الحتمية التي تتكرر
كل عام وكل فترة انتقالات (الصيفية – الشتوية) هي استنزاف مالي كبير للأندية، خاصة
تلك التي تعتمد على موارد غير مستقرة والقائمة طويلة لتلك الأندية، وكذلك ارتفاع
حجم النزاعات القانونية، سواء أمام لجان التظلمات المحلية أو الهيئات الدولية مثل
الفيفا والمحكمة الرياضية، وللأسف تراجع فرص ظهور اللاعبين الشباب، بسبب الاعتماد
على الصفقات الجاهزة، وهو ما يترتب عليه فقدان العدالة التنافسية بين أندية
المقدمة وبقية الفرق، الأمر الذي ينعكس على تراجع صورة الكرة المصرية على المستوى
القاري والدولي.
ما السبيل إلى الإصلاح؟
لمعالجة هذه الفوضى
المتكررة، لا بد من تبني إجراءات تنظيمية وفنية جادة تعيد الانضباط إلى سوق
الانتقالات في كرة القدم المصرية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات ضرورة إصدار لائحة
موحدة تنظم عمليات التعاقد، تتضمن سقفًا ماليًا للرواتب والصفقات، بما يحقق
التوازن المالي بين الأندية. كما يجب تفعيل دور اللجان الفنية داخل الأندية لتكون
الجهة المختصة بتقييم احتياجات الفرق والاختيارات الفنية للصفقات الجديدة. ومن
المهم أيضًا إخضاع التعاقدات مع اللاعبين الأجانب لمعايير دقيقة، فنية وبدنية،
تراعي طبيعة الدوري المصري ومستوياته التنافسية. وفي السياق نفسه، تبرز الحاجة إلى
وضع نظام رقابي صارم على نشاط وكلاء اللاعبين، يحدّ من تدخلاتهم العشوائية ويضمن
توافق مصالحهم مع مصلحة اللعبة. كذلك ينبغي إلزام الأندية بالشفافية الكاملة في
إعلان تفاصيل التعاقدات المالية والفنية، بما يعزز المصداقية ويقلل من النزاعات.
وأخيرًا، لا يمكن تحقيق إصلاح مستدام دون توجيه الموارد نحو تطوير أكاديميات
الناشئين، باعتبارها الاستثمار الحقيقي في مستقبل اللعبة، بدلًا من الإنفاق المفرط
على لاعبين لا يضيفون شيئًا يُذكر فنيًا.
ختامًا
سوق الانتقالات في مصر بحاجة
إلى إعادة تنظيم حقيقية، تنبع من إرادة لدى الاتحاد والأندية على حد سواء.
فالتعاقدات العشوائية، وسوء الإدارة المالية، وغياب الرقابة لن تقود إلا إلى مزيد
من التراجع الفني والمالي. وإذا كنا نتطلع إلى دوري محترف بحق، فلا بد أن نبدأ
بإصلاح هذا السوق من جذوره، قبل أن تتحول الفوضى إلى واقع دائم لا يمكن إصلاحه.
.jpg)